أبي بكر جابر الجزائري

266

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

طاعة اللّه ورسوله وولايتهما . وقوله تعالى : ما أَشْهَدْتُهُمْ « 1 » خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً يخبر تعالى بأنه المنفرد بالخلق والتدبير ليس له وزير معين فكيف يعبد الشيطان وذريته ، وأنا الذي خلقتهم وخلقت السماوات والأرض « 2 » وخلقت هؤلاء الذين يعبدون الشيطان ، ولم أكن مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ وهم الشياطين من الجن والإنس الذين يضلون عبادنا عن طريقنا الموصل إلى رضانا وجنتنا ، أي لم أكن لأجعل منهم معينا لي يعضدني ويقوي أمري وخلاصة ما في الآية أن اللّه تعالى ينكر على الناس عبادة الشياطين وهي طاعتهم وهم مخلوقون وهو خالقهم وخالق كل شيء . وقوله تعالى : وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أي أذكر يا رسولنا لهؤلاء المشركين المعرضين عن عبادة اللّه إلى عبادة عدوه الشيطان ، أذكر لهم يوم يقال لهم في عرصات القيامة نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ أشركتموهم في عبادتي زاعمين أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم فيخلصونكم من عذابنا . قال تعالى فَدَعَوْهُمْ « 3 » يا فلان ! ! يا فلان . . فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ إذ لا يجرؤ أحد ممن عبد من دون اللّه أن يقول رب هؤلاء كانوا يعبدونني . قال تعالى : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ « 4 » مَوْبِقاً أي حاجزا وفاصلا من عداوتهم لبعضهم . وحتى لا يتصل بعضهم ببعض في عرصات القيامة . وقوله تعالى : وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ أي يؤتى بها تجرّ بالسلاسل حتى تبرز لأهل الموقف فيشاهدونها وعندئذ يظن « 5 » المجرمون أي يوقنوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها أي داخلون فيها . وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً « 6 » أي مكانا ينصرفون إليه لأنهم محاطون بالزبانية ، والعياذ باللّه من النار وعذابها .

--> ( 1 ) أي : ما أحضرتهم لأستعين بهم على خلق السماوات والأرض ولا أحضرت بعضهم لأستعين به على خلق البعض الآخر . ( 2 ) في الآية رد على أهل الضلال كافة من شيطان وكاهن ومنجم وطبعيّ وملحد إذ الجميع مخلوق مربوب واللّه خالق كل شيء ومليكه وربّه ومدبّره . ( 3 ) أي : امتثلوا الأمر ودعوهم فلم يستجيبوا لهم . ( 4 ) فسّر الموبق ابن عباس رضي اللّه عنهما : بالحاجز ، وفسره أنس بن مالك رضي اللّه عنه بواد في جهنم من قيح ودم ، وفسّر بالمهلك والتفسير بالمهلك يدخل فيه كل ما ذكر ، ومن الجائز أن يتعدد الحاجز ويكون أنواعا منها : عداوة بعضهم لبعض فإنها حاجز والنار نفسها أعظم موبق ولعلها هي المراد بالموبق . ( 5 ) فَظَنُّوا أي : أيقنوا إذ يطلق الظن ويراد به اليقين وهو كثير في القرآن الكريم . قال الشاعر : فقلت لهم ظنوا بألفي مدجّج * سراتهم في الفارسيّ المسرد ( 6 ) مَصْرِفاً : أي : مهربا لإحاطتها بهم من كل جانب ولا ملجأ ولا معدلا .